عبد الوهاب الشعراني
255
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ غض البصر عن رؤية كل ما نهانا اللّه عنه : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نغض بصرنا عن رؤية كل ما نهانا اللّه تعالى عن النظر إليه من مستحسنات الدنيا المحسوسة والمعنوية ، وأن نروض نفوسنا قبل الغض بالجوع ونحوه حتى يصير غض البصر مما تعطيه سجيتنا لا نتكلف له ، ويحتاج من يريد ذلك إلى السلوك على يد شيخ ناصح . وقد كان السلف الصالح رضي اللّه عنهم مع كمالهم وتمكنهم يجعلون على رؤوسهم الطيلسان ، ويرخون حاشية الرداء على أعينهم ، حتى يكون بصرهم مكفوفا فلا يرون إلا مواقع الأقدام ، وبعضهم كان يلبس البرنس صيفا وشتاء منهم أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، وكان يقول : إنه يكف البصر عن فضول النظر وتبعهم على ذلك سادات الصوفية وأمروا به مريديهم إذا خرجوا إلى السوق حتى يرجعوا ، وللشيخ جلال الدين السيوطي في ذلك مؤلف سماه [ « الأحاديث الحسان فيما ورد في الطيلسان » ] . وقد خرج شخص من مريدي سيدي مدين مرة بغير طيلسان فرأى جرة خمر فكسرها فهجره سيدي مدين ، فقيل له في ذلك فقال : إني لم أهجره من أجل كسره جرة الخمر ، وإنما هجرته من جهة تعاطيه أسباب فضول النظر وعدم خروجه إلى السوق بالطيلسان ، فعرض نفسه لأمر قد يعجز عنه ، ولو أنه خرج بطيلسان أو غض بصره لما وقع بصره على محرم ا ه . ويتعين فعل ما ذكرناه اليوم من غض البصر على فقراء الزاوية لعدم ضبطهم على امتثال أمر اللّه لهم بغض البصر ، فإذا لبسوا الطيلسان رد بصرهم قهرا ويصير ينبههم على الكف حين يحتاجون لرفع الرأس ، ويتكلفون لرفعه بخلاف ما إذا تركوا الطيلسان ، فإنه يسهل عليهم الالتفات إلى طبقات البيوت وغيرها . وسيأتي في عهود المنهيات في معنى حديث : « وكانت خطيئة أخي داود عليه السلام النظر » أن المراد بالخطيئة كونه رفع بصره عليه السلام بغير حضور ، وذلك لأن الأكابر مكلفون بأن لا يقع منهم حركة ولا سكون إلا بعد حضور مع اللّه ومراقبة له ، فكانت الخطيئة عين الرفع مع الغفلة ، لا عين النظر إلى امرأة أو رياء كما قيل ، لأن الأنبياء معصومون عن الوقوع في النظر المحرم ولو فجأة ، لعكوفهم بقلوبهم في حضرة الإحسان فلا يقع منهم خطيئة لا سهوا ولا عمدا . وأيضا فإنهم مشرعون لأممهم في جميع الحركات والسكنات ، فلو صح في حقهم الوقوع في معصية ما لصدق عليهم تشريع المعاصي ولا قائل بذلك من المسلمين ، فكانت ذنوبهم صورية ليروا من وقع من أممهم في خطيئة كيف يفعل ، وقد بكى داود حتى نبت العشب من دموعه تعظيما لحرمات اللّه تعالى على أن قومه يفعلونها ، فكان بكاؤه صلى اللّه عليه وسلم إنما هو من باب شفقته على قومه ، كما كان صلى اللّه عليه وسلم يستغفر اللّه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة وقال : « إنّه ليغان على قلبي » .